يستهل منبر الخريجين برامجه التوعوية عبر برنامج “فكر بعمق” والذي يتناول موضوع أساسي وهو “الإنسان الإرتري في القرن الواحد والعشرين” في سلسلة من الحلقات. سيتطرق فيها الاستاذ فيصل الحاج وبصحبة مجموعة من اعضاء المنبر المتخصصين في عدة مجالات الى مناقشة بعض القضايا والظواهر الإجتماعية والثقافية التي شكلت وستشكل ركائز المجتمع الارتري منها الفرد المرأة والرجل، والجماعة الأسرة الشباب ومن ثم المجتمع والدولة. تتمحور حلقات البرنامج حول العلاقة بين الانسان الإرتري والأرض وتاثير كل منهما على الاخر.
وهذا ملخص للحلقة الأولى لمن فاته متابعة البث المباشر أو لم يجد الوقت لمشاهدته يتضمن النقاط المحورية التي وردت في الحلقة.
١- يجب ان يعرف الانسان الارتري موقعه في هذا العصر، فنحن الآن في عصر الحداثة وهي التي تحكمنا ومر عصرنا بالثورات الصناعية الاولى والثانية والثالثة ونحن الان في الثورة الصناعية الرابعة والتي تميزها ثورة الاتصال والانترنت. فبينما كانت تقوم الدول بالفعل الحضاري كان الكثير منا اما بين اتباع قشور الحضارة او التقوقع في الماضي.
٢- وسبب الحديث عن القرن الواحد والعشرين هو أن النقاشات التاريخية تأخذ نصيب الأسد من نقاشاتنا ولا يتبقى وقت لفهم دورنا في الحياة في هذه اللحظة، ولذلك نتساءل اليوم هل يعرف الارتري احتياجته الضرورية والأساسية كانسان، وهل لدى الانسان الارتري القدرة على أن يكون فاعلا للحصول على احتياجاته بالاعتماد على نفسه أم سيكون فقط مفعول به.
٣- واذا اردنا الدخول لفهم موقع الانسان الارتري ومصيره في هذا العصر فيجب اولا ان نبدأ بتعريف حياة الإنسان من جانب طبيعي-اجتماعي بشقي المجتمع وهما الرجل والمرأة لأنهما من يحددان سويا مدى فاعلية المجتمع وعندما ننصر للعلاقة بين الرجل والمرأة وهما المكون للانسان الارتري فاننا نجد بأن أساس علاقتهما مقسمة إلى أربعة أقسام بالتساوي بينهما:
الرزق والحماية من قِبل الرجل
الاحتواء والنماء من قِبل المرأة
العملة المتبادلة بينهما هو الجنس ويأتي رزق الله للمرأة عبر الرجل بشكل بيولوجي وشكل صناعي:
الرزق البيولوجي هو البنون
والرزق الاصطناعي هو المال
٤- المرأة تحصل على البذرة التي يأتي منه الأطفال من الرجل فيقوم بزرعها في الارض القابلة للزراعة وهي المرأة (نسائكم حرث لكم)، ثم يسقيها بالماء وهو المال اللازم للحياة ثم يحميها ويتعاهدها من أي مهددات خارجية، فالمرأة تحصل على ذلك تاريخيا من الرجل.
٥- الرجل يحصل في المقابل على شيئين من المرأة هما الاحتواء والنماء، فهي تحتويه نفسيا وجسديا وتساهم في نماء ماله واولاده، فهو عندما يرزق عياله ففي المقابل يقوم الله برزقه ولذلك يقولون في الكثير من الآثار الدينية والحكم الشعبية ان الرجل اذا اراد ان يرزقه الله فيتوجب عليه ان يتزوج وينجب، وحقيقة هذا الشيء من شقين جانب نفسي وجانب كوني، فالنفسي وهو انه كلما وجد الرجل نفسه في موقف مسؤول عن امرأة واطفال فانه يكون اكثر همة في طلب الرزق، وجانب كوني لان من سنن الله الكونية التي اوضحها في القران انه وضع معادلة مفادها ان من لديه اولاد فان رزقه يكون اضمن لا لعياله فقط بل له شخصيا ايضا (نحن نرزقكم واياهم).
٦- عندما نتحدث عن الذرية فايضا هناك وظائف مشتركة:
الرجل يقدم للذرية المال والحماية كأساس،
وقد يحدث الكمال من خلال اعطاء الحكمة.
والمرأة تقدم الاحتواء والتنمية
وقد يحدث الكمال من خلال اعطاء العلم.
فيشترك الرجل والمرأة في العلم،
وقد يزيد الرجل بفضل الحكمة اذا وصل إلى الكمال.
ولذلك يقول الرسول في حديثه المشهور كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ: إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ.
٧- بحسب عالم النفس الكندي جوردان بيترسون فان المرأة غالبا ما يكون اهتمامها منصب على الأشخاص عموما بينما الرجال ينزعون نحو الاهتمام بالأشياء المادية، وعندما نجمع بين معرفتنا بالجنسين نفسيا واجتماعيا وبيولوجيا وروحيا فاننا نصل الى استنتاج مفاده ان:
المرأة تمثل المادة/الجسد والطبيعة والاحتواء
والرجل يمثل الرمز/القيم والصناعة والكسب
٨- وعندما نتحدث عن الرجال فاننا نجد أن الذكورة عند الرجل مرتبطة بالقيادة والاستقلالية والطموح وبادارة:
– الارض
– المواصلات
– المرأة
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”
ولكن نلاحظ حدوث انكسار للرجل الإرتري ونزوعه نحو التقوقع في كهفه والانشغال بذكريات الماضي بسبب اهتزاز ثقته بنفسه وقدرته على تحقيق مكاسب كبيرة في المستقبل وإحدى تجليات هذا التقوقع مزاولة طقوس كلمات وغناء الماضي الجميل كهروب من الواقع.
٩- أما المرأة فأدى اقتحامها لساحات القتال بشكل مكافيء للرجال إلى اصابتها بالاحباط والاكتئاب وعدم قدرتها على اعطاء ما يتوجب عليها اعطاءه من ناحية بيولوجية وانثروبولوجية وهو حب الحياة والعاطفة وحب البناء والمستقبل والاستقرار الاسري الذي يدفع باستقرار المجتمع وانتعاشه وتطوره. فالمرأة كانت قديما حافز للحياة والمستقبل فكانوا يضعونها خلف الجيش اما للتشجيع او التطبيب، اما في حالتنا فقد تم اقحامها في كل شيء ووضعها في الامام كالرجال ففقدت قيمتها الحيوية كامرأة وتحولت الى رجل.
١٠- وكتبعات للحرب وظروف الدولة الصعبة بعد الاستقلال حدثت صدمات وانتكاسات للرجال واصبحوا غير قادرين على الهام المرأة واقناعها بأن هناك مستقبل باهر ينتظرهم وبأن الرجل باستطاعته ان يحميها في كل الظروف، وهكذا بانهدام شخصية الرمز ومخطط المستقبل اي الرجل، تنحى الرجل عن المشهد واضطرت المرأة للتقدم للامام ومحاولة الامساك بزمام الامور فانقسمت المرأة ودورها في الحياة اما الى الشخصية التي تدير دفة الحياة بالنيابة عن الرجل، او الى السقوط تحت ظل تشاؤم الرجل والغرق في السلبية، والنتيجة تقهقر للرجل بشكل أكبر ودوره في الحياة كريان للسفينة، وفي الجانب الآخر تخبط للمرأة عند محاولة قيادة السفينة بالنيابة فتمكنت من مواصلة السير لكن بدون بوصلة وبدون معرفة اين ستصل بالسفينة.
١١- واكمالا لتحليل نفسية الرجل الإرتري فإننا نجد بأنه في ايام النضال كان يضحي بنفسه من اجل هدف معين وهو الاستقلال، أما اليوم فهناك من يدعي انه يريد ان يستخدم جسده لكنها ليست تضحية بل خوف من الحياة والمستقبل المجهول والاحباط وأدى ذلك عند الكثير الى الرغبة في الانتحار تحت ستار التضحية، واكبر دليل ان الارتريين اكثر من يستخدمون اللجوء عبر البحار والصحاري ولا يبالون ان ماتوا ظنا انها تضحية من اجل اهلهم بينما يكون اكتئابا من الحياة بسبب الظروف التي وقعوا تحت تأثيرها في الوطن وحدوث رغبة دفينة في القاء النفس في اي مكان بدون حساب العواقب.
١٢- إذن الآن لا توجد همّة عند الرجل الإرتري لامتلاك مستقبله بيده ويشك دائما في قدرته على وضع رؤى واقعية فينحو الى التأجيل والعيش كما اتفق والانكفاء على الماضي ولوم الآخرين، فيتجه الى دول أخرى تحتضنه ويرضى ان تُمحى هويته وتذوب ثقافة أطفاله في سبيل الحصول على الفتات واستجداء الآخرين للسماح له بالعيش.
١٣- لكن المرأة في الجانب الآخر تعشق الحياة بتهور وتطمئن ان ورائها رجل يعرف مصلحتها يستطيع تخليصها من اي معضلة قد تقع بها، وعندما يكون الرجل الارتري بلا قدرة على رؤية المستقبل فانه وبدلا من تقديم رؤية للمرأة، يضطر هو نفسه للبحث عن من يحتويه ويشعره بالأمان، لكن كلما ارتفع الحس الرمزي عند الرجل وثقته بالمستقبل، وقدرته على النجاح والفوز وتحقيق رؤيته، كلما استطاع ان يحوز على اعجاب وثقة المرأة به فتقوم طوعا بالإيمان به وبرؤيته في الحياة.
١٤- ولكي نجد ارضية صلبة للحياة الصحية للرجل والمرأة فيجب التمكن من العيش في أرض الوطن لأنه من خلالها فقط يحدث الاستقرار والنماء والازدهار للأسرة الإرترية والعيش في الخارج يؤدي إلى صعوبات كبيرة وتشوهات في السير السليم للمجتمع والعيش خارج الوطن هي أنانية لأنها راحة وسلام مؤقت يتبعه ألم للأجيال التالية سواء من يعيشون بإقامة مؤقتة في الدول المحيطة بإرتريا او من يعيشون في الغرب والمعرضون لتحولات تاريخية من قبيل صعود اليمين المتطرف وتغيير القوانين وربما حدوث ذوبان وتغيير لهوية ودين الأجيال القادمة.
١٥- واذا اردنا ان نعرف من اين نبدأ فنستطيع ان نعود الى علماء النفس والاجتماع المعاصرين والذين يقولون بان من يشعر بالاستياء من واقعه وخصوصا الاستياء من المؤسسات التي تحكم معيشته، فكل ما يتوجب عليه فعله هو النظر للمرآة، لأن فشل الواقع هو مجرد انعكاس لعدم قدرة الشخص على القيام بشيء حياله، أي أنها مسؤولية الشخص نفسه لا غيره. والحل يكمن في عمل أي جهد مهما كان صغيرا، والانطلاق من الذات في ذلك واصلاحها وتطويرها ومن ثم الارتقاء بعدها لاصلاح وتطوير المجتمع.

Author

  • كاتب عمود صحفي في موقع منبر الخريجين، مهتم بالشأن الإرتري وقضايا التحول المدني، يعالج القضايا بطرح موضوعي وتحليلي يسعى لتعزيز الوعي العام وترسيخ قيم الحوار.

شاركها.

كاتب عمود صحفي في موقع منبر الخريجين، مهتم بالشأن الإرتري وقضايا التحول المدني، يعالج القضايا بطرح موضوعي وتحليلي يسعى لتعزيز الوعي العام وترسيخ قيم الحوار.

اترك تعليقاً

Exit mobile version